عبد الله الأنصاري الهروي

57

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : وطلب النجاة بتمحيصها ، تمحيص الجناية وهو تفريقها بالمغفرة ، تقول : محّصت الذهب إذا فرّقت بينه وبين ما خالطه ، وهذا الفصل هو من أحكام الرّهبة ، والذي قبله هو من أحكام الرّغبة ، فالرّغبة والرّهبة لا زمان لليقظة . فانظر ما أحسن ترتيب الشيخ في هذا الكتاب . [ الثالث : الانتباه لمعرفة الزّيادة والنّقصان من الأيّام ] الثالث : / الانتباه لمعرفة الزّيادة والنّقصان من الأيّام ، والتنصّل من تضييعها ، والنّظر إلى الضنّ بها لتدارك فائتها وتعمير باقيها . ( 1 ) أراد بهذا الفصل أنّه يعتبر الأيّام ، فيعرف ما فاته فيها من الفرائض والسنن والخير ، وفوات ذلك هو النّقصان المذكور ، ويعرف أيضا ما حصّله فيها من التطوّع ، وذلك هو الزّيادة ، فيتدارك الفائت منه في بقيّة العمر ، ويعمّر الأيام بوظائف الخدمة للَّه تعالى بأداء حقوقه ، وهو في ذلك كلّه متنصّل عن تضييع ما بقي من أيّامه ، والتنصّل هو الخروج عن الشيء ، كما تقول : نصل الخضاب عن الشّيب ، ونصل الحافر ، ونصل السّيف ، وشبه ذلك ، والمراد هنا التخلّص من تضييع الأيّام في البطالة . قوله : والضنّ بها ، ( 3 ) أي البخل بها عن الضياع ، لأنّ الضنّ بالضّاد الساقطة هو البخل ، ومثله قراءة من قرأ : وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ « 13 » ، بالضّاد أي ببخيل . وهذا الفصل هو من أحكام التفكّر ، لأنّ التفكّر يتبع اليقظة ، وقد تضمّن ذلك قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا « 14 » ، والوقوف في التلاوة على تتفكّروا ، إذ به يتمّ الكلام ، والمعنى أنّهم إذا استيقظوا تفكّروا في أيّام العمر ، وما جرت به أقلام الكتبة الكرام عليهم . وهذا التفكّر هنا حسن .

--> ( 13 ) الآية 24 سورة التكوير . ( 14 ) الآية 4 سورة سبأ .